الشيخ محمد علي طه الدرة
162
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
ذلِكُمْ : اسم إشارة مبني على السكون في محل رفع مبتدأ ، واللام للبعد ، والكاف حرف خطاب لا محل له . خَيْرٌ : خبره . لَكُمْ : جار ومجرور متعلقان ب خَيْرٌ . عِنْدَ : ظرف مكان متعلق ب خَيْرٌ أيضا ، و عِنْدَ مضاف ، والكاف في محل جر بالإضافة ، من إضافة اسم الفاعل لمفعوله ، وفاعله مستتر فيه ، والجملة الاسمية : ذلِكُمْ خَيْرٌ . . . إلخ : مستأنفة لا محل لها . فَتابَ : الفاء : واقعة في جواب شرط مقدر محذوف ، التقدير : إن فعلتم ما أمرتم به ؛ فقد تاب ، وهذا إن كان من كلام موسى لهم . أو الفاء : حرف عطف ، تعطف الجملة على كلام محذوف ؛ إن جعلته من كلام اللّه تعالى على طريق الالتفات . كأنه قال لهم : فعلتم ما أمرتم به ، فتاب عليكم بارئكم . إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ : انظر إعراب مثل هذه الجملة في الآية رقم [ 32 ] و [ 37 ] والجملة الاسمية مفيدة للتعليل لا محل لها . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 55 ] وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 ) الشرح : وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى : هذا من خطاب الأبناء بما فعل الآباء . لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ أي : لن نصدقك حتى نرى اللّه عيانا ، وسبب ذلك : أنّ اللّه تعالى أمر موسى - على نبينا ، وعليه ألف صلاة ، وألف سلام - أن يأتيه بأناس من بني إسرائيل يعتذرون إليه من عبادة العجل ، فاختار سبعين رجلا من صلحائهم . وقال لهم : صوموا ، وتطهّروا . ففعلوا ، وخرج بهم إلى طور سيناء . فقالوا لموسى : اطلب لنا أن نسمع كلام ربّنا . فأسمعهم اللّه قوله : إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا أخرجتكم من أرض مصر بيد شديدة فاعبدوني ، ولا تعبدوا غيري . فلمّا سمعوا كلام ربّ العزة ؛ استحلوا كلامه ، فطلبوا رؤيته ، وهذه طبيعة البشر ، فكل من استحلى صوتا يحبّ أن يرى صاحبه . انظر الآية رقم [ 155 ] من سورة ( الأعراف ) . فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ : الصيحة ، وهي صوت هائل سمعوه من جهة السماء . وقيل : هي نار ، وفي سورة ( الأعراف ) : فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ * وهي الزلزلة ، ويمكن الجمع بأنهم حصل لهم الجميع . انتهى . جمل . فقام موسى يبكي ، ويدعو اللّه ويقول : رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا فناشد به حتّى أحياهم رجلا رجلا بعد أن مكثوا ميتين يوما وليلة . وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ أي : إلى حالكم ، وما نزل بكم من الموت ، وآثار الصعقة . هذا وقال الزمخشري : وفي هذا الكلام دليل على أنّ موسى - عليه الصلاة والسّلام - رادّهم القول ، وعرّفهم : أن رؤية ما لا يجوز عليه . . . إلخ : قال أحمد بن المنير رحمه اللّه تعالى : لقد انتهز الزمخشري ما اعتقده فرصة من هذه الآية التي لا مطمع له عند التحقيق في التشبث بها ، فبنى الأمر على أنّ العقوبة سببها طلب ما لا يجوز على اللّه تعالى من الرؤية على ظنّه ، وأنّى له ذلك ؟ ! وثمّ سبب ظاهر في العقوبة سوى ما ادّعاه هو كل السبب ، وذلك : أنّ موسى عليه السّلام لمّا علم جواز رؤيته تعالى طلبها في آية ( الأعراف ) رقم [ 143 ] فأخبره اللّه تعالى : أنه لا يراه في الدنيا ،